معنى التوسل والوسيلة:
شرع الله عز وجل الوسيلة وجعلها أصلاً يرتكز عليها ولا يقبل العمل إلا بها وجعلها ضرورة من ضروريات الحياة البشرية ولفت عباده النظر إليها بعد أن خلقهم بالفطرة والطبيعة فيها وإليها. فقال عزمن قائل " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ " قال صاحب الكشاف في تفسيره: الوسيلة كل ما يتوسل به – أي يتقرب به – من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك. فاستعيرت لما يتوسل به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وترك المنهيات وأنشد:
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم******* إلا كل ذي لب إلى الله واسل
فاعلم يا أخي أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا عكس الآخرة من جميع الوجوه وأن هذه الدنيا هي دار العمل بالتكاليف الشرعية والتوجيهات الإلهية. والتعاليم الربانية فلم يوجد الحق عز وجل فيها شيئاً إلا بالعمل ولذا قال عز من قائل: " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ " وناهيك بالآية الجامعة في قوله تعالى: " فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ " بل جميع أوامر الحق عز وجل ونواهيه في كتابه العزيز وسنة نبيه الكريم ترشد عباده إلى العمل في هذه الحياة. وإن من تأمل بعين الفكر ونظر بمنظار الإيمان وعلم من كثرة الإطلاع وجد أن جميع ما سبق من الأدلة يحث على الأخذ في الأسباب وهي الوسيلة الموصلة إلى الغاية المرجوة دنيا وأخرى لما تبين واتضح أن كل موجود للحق عز وجل لم يوجده إلا بالوسيلة. والوسيلة في جميع ما بينا تنقسم إلى قسمين مادية "حسية" ومعنوية "روحية" فالمادية الحسية، هي ما يشاهد ويلمس بحاسة اللمس ولو للأعمى في جميع المكونات، ولا نذهب بك بعيداً، بل نلفت نظرك إلى قول الحق عز وجل "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" فمن أي شئ وجدت أيها القارئ الكريم؟ وبأي شئ تعيش؟ وفي أي شئ تعمل وتقيم؟ وما هو الناشئ منك وعنك؟ فلا ترى إلا أنها كلها وسائل وقس على ذلك كل حالة مادية حسية.
والمعنوية الروحية ما لفت الله سبحانه وتعالى عباده النظر إليه من حكمة إرسال الرسل وتوجيههم العباد إلى الله عز شأنه بالإيمان الذي هو معنى من المعاني، والذي لا يعرف إلا بالصورة التي جعلها الله تبارك وتعالى مقابلة لهذا المعنى الروحي، إذ لا يعرف إلا بها، وهي قيامك بالمأمورات ظاهراً حتى يبرهن به عنك بالمعنى الباطني الروحي الذي لا يعرف إلا بهذا الظاهر وفي دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى الله أكير دلالة على الوسيلة المعنوية والروحية. قال تعالى: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ". وقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وقال تعالى: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ " وليس في كل معنى ما تقدم إلا بعد نفي جميع ما عدا أوامره باطل وإثبات ما هو جدير به وأحق بكل تلك الأوامر وهو الله تعالى. لعله قد استبان لك مما قدمنا أن الوسيلة على قسمين: مادية وروحية فالمادية عليها جميع التكاليف الشرعية من إمتثال الأوامر واجتناب النواهي. ومن أهمها معاملة الخالق جل وعلى ومعاملة المخلوقين كما أمر سبحانه وتعالى إذا يفتح من هذه المعاملات التي هي وسائل بنص الشرع عملاً يستحق عليه الجزاء دنيا وأخرى فالعمل الباطني الروحي ينشأ عنه العمل الظاهري المادي المحسوس الذي ينشأ عنه العمل الجزائي وهذا الجزاء لا يتوصل إليه إلا بالوسائل التي شرعها الله عز وجل لعباده، وجعل تبارك وتعالى نسبة العمل إليها نسبة حقيقية، وتضاف إليها الأعمال، وتنسب إليها، إذ لا يترتب الثواب والعقاب عليها إلا بهذه النسبة والإضافة الحقيقية هذا هو أصل التوسل والوسيلة وحقيقة مشروعيتها وتوجيه الله سبحانه وتعالى عباده إليها. ومن جهل ذلك فقد جهل سنن التكوين الإلهي وجهل سنن التشريع الرباني لعباده ولا ينكره إلا كل مخالف لإجماع المسلمين.أ هـ
في المقالة التالية إن شاء الله سيكون الرد على منكرى التوسل والوسيلة
المصدر: كتاب إنتصار أولياء الرحمن على أولياء الشيطان من صفحة 325 إلى 327 لمؤلفه مولانا سيدي فخر الدين الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني
1 التعليقات:
الله يكرمك يا شيخ اسامه يارب بجاه سيدنا النبي وأحبابه ويزيدك محبة ومودة وخدمة
إرسال تعليق